الربیع ودوره فی الأدب العباسی

المقدمة

استطاع بعض فحول الشعر فی العصر العباسی أن یضیفوا إلى الأوصاف المادیة للطبیعة حسًّا وذوقًا؛ فائتلفوا معها -أی: مع الطبیعة- واستغرقوا فی نشوة جمالها، وبادلوها عاطفةً بعاطفة وحبًّا بحب، ومن هؤلاء الشعراء العباسیین، الذین أضافوا إلى الأوصاف المادیة حسًّا وذوقًا: "أبو تمام" و"البحتری"و"ابن الرومی" و"ابن المعتز" و"الصنوبری و …..".

و یشیر أحمد الهاشمی فی کتابه الی وصف الربیع حیث یقول: « یوم سماؤه فاختیة، وأرضه طاوسیة، یوم جلابیب غیومه صفاق، وأردیة نسیمه رقاق، یوم معصفر السماء، ممسک الهواء، معنبر الریاض مصندل الماء. یوم سماؤه کالخز الأدکن، وأرضه کالدیباج الأخضر. یوم تبسم عنه الربیع، وتبرج فیه الروض المریع. کأن سماءه مأتم، وأرضه عرس». [1]

یتناول بهاءالدین الإربلی الربیع ویصفه وصفا بدیعا: « إن الربیع حیاة النفوس، وبشر الزمن العبوس، وواسطة عقد الدهر، وغرة جبهة العصر، وطبع الحیاة ورونق العمر ونزهة النواظر والقلوب والمشبه بصفة المحبوب، فیه تأخذ الأرض بهجة زینتها وزخارفها، وتبرز فی حللها الأنیقة ومطارفها، وتجلی فی ملابسها السندسیة، وتضوع الآفاق بنفحاتها المسکیة الذکیة، وفیه بعث النبات ونشوره ونضارة العیش ونوره، کلما بسمت ثغوره بکى الغمام، ومتى رقصت غصونه غنى لها الحمام، ومتى انتظم نواره فاق اللآلئ فی النظام، فکأن أغصانه هیف قدود تتعاطى میلا وتأودا، وکأن شقیقه خدود زادها العتب نضارة وتوردا، وکأن نرجسه عیون ینفث سحرها فی العقد، وکأن أقاحه ثغور تفتر عن طلع کالبرد، وقد جالت دموع الطل فی وجنات ورده الجنی، ولاح بنفسجه کالعذار فی حسن الرواء ونضارة الری، وقد باح نسیمه بسر الخزام ونبه أطیاره نشر القداح والنمام، قد اتخذت من عذبات الأغصان منابر، وأغنت عن أصوات العیدان والمزاهر، اعتدل فیه عمر اللیل والنهار، وأشبهت أرضه السماء بنجوم الأزهار، فکأن الأرض فیه مرآة صقلتها ید الأنواء، فانطبعت فی جرمها صور کواکب السماء ». [2]

و نذکر بعض تعاریف متنوعة حول الربیع منها، قال أبقراط: « من لم یبتهج بالربیع، ولم یتمتع بنسیمه، فهو فاسد المزاج یحتاج إلى العلاج. وکان المأمون یقول: أغلظ الناس طبعاً، من لم یکن ذا صبوة.وقال علی بن عبیدة: الربیع جمیل الوجه، ضاحک السن، رشیق القد، حلو الشمائل، عطر الرائحة، کریم الأخلاق. وقال آخر: الربیع شباب الزمان، ونسیمه غذاء النفوس، ومنظره جلاء العیون. وقال آخر: قد زارنا حبیب، من القلوب قریب وکله حسن وطیب. وقال آخر: تبلج عن وجه بهج، وخلق غنج، وروض أرج، وطیر مزدوج. وقال آخر: مرحباً بزائر وجهه وسیم، له سیم، وریحه سیم. [3] وقال آخر: « تنفس الربیع عن أنفاس الأحباب، وأعار الأرض أثواب الشباب، أذال الربیع أثواب الحریر، وعبرت أنفاسه عن العبیر، سحاب الربیع ماطر، وترابه عاطر. ». [4]

موقف الشعراء من فصول السنة

وقد کان فصل الربیع اکثر الفصول خطوة عند الشعراء، و وصف الکثیر من الشعراء الربیع وازهاره و هذا لیس بمستنکر علی شاعر شغف بالطبیعة، وعشق جمالها، و ولع بشخصیتها، ففی الربیع تغنـّی الطیر، وتلوح بوارق الأنواء، وتلبس الأرض الخضراء ویفتخر علی سائر الفصول. وقد جاوز الأمر تشبیه المحبوب باللؤلؤ والیاقوتِ وبالأزهار إلى انتظار المحبوب من حبیبه أن یغتنی به عن زهور الریاض، وللشعراء مع الزهور ذکریات وحکایاتو أوصاف، اتسع االشعر الوصفی فی أدب العصر العباسی، تبعاً لاتساع مناحی الحیاة فی الفترة . فتکاثرت الموضوعات التی تناولها الشعراء فضلاً عن الأغراض الشعریة التی نظموا فیها. من ذلک توسعهم فی وصف مشاهد الطبیعة المختلفة، مثل وصف الربیع لأبی تمام وللبحتری وکذلک ما وصف به أبو الطیب المتنبی شعب بوان فی بلاد الفرس.

و بالغ شعراء هذا العصر فی وصف الریاض والأزهار والثمار، حتى حفلت دواوین البحتری وابن الرومی وأبی بکر الصنوبری وأمثالهم بهذه الأوصاف الجمیلة التی انطوت على التشبیهات الطریفة والألوان البهیجة. ولذلک نشاهد موقف الشعراء من خلال أشعارهم فی الفصول المختلفة خاصة فصل الربیع . وهذه أبیات رائعة فی وصف الربیع، لأبی تمام یقول فیها: [5]

نَزلَتْ مُقَدمَة ُ المَصِیفِ حَمِیدة ً ویدُ الشتاءِ جدیدة ُ لا تکفرُ لولا الذی غرسَ الشتاءُ بکفهِ لاَقَى المَصِیفُ هَشَائِماً لاتُثْمِرُ ما کانتِ الأیامُ تسلبُ بهجة ً لو أنَّ حسنَ الروضِ کانَ یعمرُ أولا ترى الأشیاءَ إنْ هیَ غیرتْ سَمُجتْ وحُسْنُ الأرْضِ حِینَ تُغَیَّرُ یا صاحِبَیَّ تَقصَّیا نَظرَیْکُمَا تریا وجوهَ الأرضِ کیفَ تصورُ تریا نهاراً مشمساً قد شابهُ زهرُ الربا فکأنما هو مقمرُ دنیا معاشٌ للورى حتى إذا حل الربیعُ فإنّما هیَ منظرُ أضحتْ تصوغُ بطونها لظهورها نَوْراً تکادُ له القُلوبُ تُنَورُ مِن کل زَاهِرَة ٍ تَرقْرَقُ بالنَّدَى فکأنها عینٌ علیهِ تحدرُ

فی هذه القصیدة یصـوّر لنا أبو تمّام تصویرا حیّا ولوحة تنطق بالجمال للطبیعة، ویتکلّم عن البدیع فی فصل الربیع الفتان ونری بأنـّه یهتم بالحکمة من وراء التغییر فى الطبیعة.

من خلال هذه القصیدة الرائعة نشاهد جمال الطبیعة فی فصل الربیع بأنّ أبا تمام یدعو صاحبیه أن یتأملا؛ لیریا جمال االطبیعة، وفی النهایة نبحث عن الفکرة جمال الأزهار، وألوانها التی تضیء لجمالها القلوب وأیضا نلاحظ تشبیه جمال الربیع بمحاسن الإخوان والسادة، ونجد التقلید باسلوب القدماء فی توجیه الخطاب إلى رفیقین"یا صاحبى تقصیـا نظریکما" فهو مثل قول امرئ القیس حیث قد قال قائلاً""قفانبک من ذکرى حبیب و منزل" یهتم أبو تمام بآثار الربیع بالحکمة من وراء التغییر فی الطبیعـة الحیة.

وقد أکثر الشعراء فی وصف الریاض والغصون، فمنه ابن الرومی شاعر العباسیین المبدع یصف المتلازمة الربیعیة ذاتها حین یصف ریح الشمال بهبوبها المنعش وتقافز الطیور الجذلى على الأغصان المنتشیة فیقول قائلا: [6]

حیتک عنا شمالٌ طافَ طائفـُــــــــــــها فی جنةٍ قد حوت روحاً و ریحانا هبت سـُحیرا فناجى الغـُصنُ صاحبــه سرا بها وتداعى الطیر إعلانــــا وُرْقٌ تـُغـَنـِّی علـــــى خُضر ٍ مُهدّلـــــةٍ تسمو بها وتشمَّ الأرضَ أحیانـــا تخـــالُ طائرَها نشوانَ من طَـــــــرَبٍ والغـُصـنَ من هـَزِّه عِطْفـَیهِ نشوانا

وقال أبو عبادة البحتری: [7]

ولا زال مخضرٌ من الروض ِ یانع علیه بمحمرٍ من النور ِ جاسد ٍ یذکرنی ریا الأحبة ِ کلما تنفس فی جنح ٍمن اللیل ِ بارد الأزهـــــــــــار و أفضلیــــة الــــربیــــع علی الفصول الأخری

ونشاهد تعریفا رائعا عن الأزهار حیث یقول: "الأزهار أصناف متباینة الأشکال والألوان والرائحة ولعل من أجملها النرجس، وهو نوَّار أصفر، فی نوره انکسار وفتور لا یکاد یرى، وله ورقة قائمة. وقد تمادى إنکار أدباء عصرنا تشبیه العین بهذا النوار الأصفر، فأکثرهم ینکر أن یقع به تشبیه لأجل صفرته، وإن ذکرته لأحد قال: وأی صفرة فی العین إلا أن یکون بصاحبها علة الیرقان؟ ویستهجن موضع التشبیه.ولکن هذا لیس دقیقاً ویدل على عدم معرفة کلام العرب وتشبیهاتها؛ لأن العرب توقع تشبیهاً على الصور دون المعنى وعلى المعنى دون الصور وعلیهما جمیعاً وهو أکمل الوجوه، وتشبه العینین وقال ابن المعتز فی وصف النرجس: [8]

وَ أحسنُ ما فی الوجوه ِ العیون ُ و أشبه شیءٍ بها النرجسُ یظلّ یلاحظ وجــه النــدیــــــ ــم فرداً وحیداً فـَیَستـأنـسُ

قال ابن الرومی: النرجس شبه الأعین والمـَضاحک، والورد یشبه الخدود. والأعین والمَضاحک أشرف من الخدود، وشبیه الأشرف أشرف من شبیه الأدنی. قال: و الورد صفة لأنـّه لون، و النرجس یضارعه فی هذا الإسم لأنَّ النرجس هـو الریحان الوارد أعــنی أنـّه أبدا فـی الماء، والورد خجل، والنرجس مبتسم، وانظر إلی أدناهما شبها بالعیون والنجوم فهو إفضل.

« والنرجس عند أهل المشرق نبات له قضبان خضر فی رؤوسها أکمام یخرج منها نور، ینبسط منه على الأقماع ورق أبیض فی وسط البیاض دائرة قائمة من ورق صغیر. وبذلک وصفه کسرى أنو شروان فقال: النرجس یاقوت أصفر بین درٍّ أبیض على زمرد أخضر » [9]

الأزهار والریاض فی الأدب العــربــی

ونذکر فی هذا المجال ما قیل فی الخیری وهو المنثور والسوسن، والآذریون والشقیق، والبهارو الیاسمین والأقحوان:

الخیری فالخیری هو المنثور وهو مما أولع الشعراء بوصفه. فمن ذلک قول ابن الرومی: [10]

خیری ورد أتاک فی طبقه قد ملأ الخافقین من عبقه قد خلع العاشقون ما صنع الهجیر بألوانهم على ورقة

"الأُقْحُوان" « فقال أبو الخیر العشّاب: الأقحوان هو البابونج، وهو نوعان: نوع ینبت فی الجبال الباردة جدا، ونوع یزرع فی البساتین، فما کان جبلیا فهو البابونج ، وما کان مزروعا فهو أقحوان ، ومنه ما زهره أصفر کله، ومنه ما هو زهرهُ أبیض، وفی وسطه لُمعةٌ صفراء، ومنه الحوذان، وورقه یشبه ورق الخیری الأصفر، وهو مشرفٌ تشرف المِنشار، وُیعرفُ برأس الذهب » . [11] "الزعفران"« فالزعفران یسمى الجادِیَّ بالدالین المهملة و المعجمة، و الجِساد، و الرَّیْهُقَان، والکُرْکُم». [12]

"الیاسمین" «فالیاسمین والیاسمون اسم فارسی،وهو نوعان : بری، ویسمى بهرامج، وتسمیه العرب الظیان، وبستانی، وهو أصفر وأبیض، والأبیض أطیب رائحة ». [13]

ومن أحسن ما قیل فی الآذریون قول ابن المعتز: [14]

سقیاً لأیـــّام لنـــــــــا وللعصــورِ الخالیـــــه ما بینَ روضــاتٍ لنا من کلِّ حسنٍ حالیـــــه کأنمــــا أزهــــــارُها مِن ماء ِوردٍ جاریــــه کأن آذریونـــَــــــــها تحتَ السماء ِالصافیــه مداهـــنٌ من عسجــدٍ فیها بقایا غالیـــــــــــه

ومن جید ما قیل فی البهار قول ابن الرومی: [15] «لهوتُ عن وصف الطلول الدّارسَهْ

بروضة ٍ عذراءَ غیر عانسَــــهْ
جادتْ لها کلُّ سماءٍ راجســـــــــه
رائحة ٍ بالغیث أو مُغالســـــــه
فأصبحتْ من کل وشیٍ لابســـــه
خضراءَ ما فیها خَلاة یابســـــه
کأنما الألسنُ عنها لاحســــــــــــه
ضاحکة النوار غیر عابســـــه
کأنها معشوقة مُؤانســــــــــــــــه
فیها شموسٌ للبهارِ وارســــــه
کأنها جَمــــــاجم الشَّمـــامســـــــه
ذوی القدود من ذوی القَمامسه
تروقک النَّورة منها الناکســـــــــــه
بعینِ یقظى وبجید ناعســـــــه
لؤلؤة ُ الطَّل علیها قارســـــــــــــه
وخُرَّمٌ فی صبغة الطیالســـــه
یحکی الطَّواویس غدت مُطاوِســـه
کأنما تلک الفـــــروع المائسه

"الشقیق"« فالشقیق یسمى الشقائق والشقر. قال أبو الخیر العشاب: فی ألوانه الأبیض والأسود والأحمر والوردی والرمادی والأصفر، وفیه بستانی وبری،فالبستانی، هو الخشخاش الأبیض.قال: ومن أنواعه شقاثق النعمان،ومن الشقائق نوع یسمى المامیثا،ولونه أصفر فاقع ». [16]

"النیلوفر فقال ابن التلمیذ: النیلوفر اسم فارسی معناه النیلی الأجنحة، والنیلی الأریاش. والهند تسمیه نینوفر، والنبط تسمیه نیلوفریا، والعرب تسمیه نیلوفه، والفرس تسمیه نیلوفر». [17]

وقال ابن الرومی: [18]

یرتاح للنیلوفر القلب الــــــــذی لا یستفیق من الغرام وجهـــده والورد أصبح فی الروائح عبده والنرجس المسکی خادم عبده یا حسنه فی برکة قد أصبــحت محشوة مسکا یشاب بنــــــــده وکأنه فیها وقد لحظ الصبــــــا ورمى المنام ببعده وبصـــــده محجور حب ظل یرفع رأسه کالمستجیر بربه من ضــــــده وکأنه إذ غاب عنــد مسائــــــه فی الماء فانحجبت نضارة قده صب یهدده الحبیب بهجـــــــره ظلما فغرق نفســـه من وجده

وقال عبدالله بن المعتز: [19]

وبرکةٍ تزهـُو بنیلوفــرٍ ألوانـُه بالحسن ِمنعوتـَـــه نهاره ینظـرُ عن مقلة شاخصة الأجفان ِ مبهوتـَه کأنمــا کلُّ قضیب له یحمــلُ فی أعلاهُ یاقوتـَــــه

یصف ابن المعتز البرکة بأنها تزهو بالنیلوفر وألوانه ونعتها بأنها حسنة وکأن نهاره ینبعث من مقلة أی عین شاخصة أجفانها بألوان باهتة ویشبه النیلوفر بأنه قضیب یتفرع من أعلاه یاقوته، وهوبلاشک تشبیه رائع حیث جعل البرکة تزهو بزهرة النیلوفر ألوانه حسنة. ذکر زهرة النیلوفر ووصفها بألوانها وبأنها تزهو فتعددت الموصوفات فی قوله من مقلة وهی العین وصفها بأنها شاخصة.

"النسرین"قال ابن وحشیة: الیاسمین والنسرین متقاربان حتى کأنهما أخوان، وکل واحد منهما نوعان: ابیض واصفر، ولهما شقیق آخر ورده أکبر من وردهما، یسمى جلنسرین". [20]

وصف الــــورد والــــزهر فی شعر الشعراء العباسیین

وکان للأزهاروالورود حضور کبیر فی الشعر العربی منذ القدم خاصة فی العصر العباسی فاستخدموه فی الغزل والمدح وتغنون به ووصفوه بل وتعصب بعضهم لنوع ضد اخر فهجوه ومدحوه . یتکلّم ’’السری الرفاء’’ عن الأبیات التی تدور حول الطبیعة واوصافها، فنذکر نصوصاً مقتضبة لکوکبة من الشعراء العباسیین الذین اشتهروا بهذا الفن الوصفی المبدع، ومنهم علی ابن الجهم (190 ـ 249 هـ) فی القصیدة التی صوّر الطبیعة الشاعرة ، حیث نجد عدیداً من اللوحات الفنیة التی أتقن تمثیل الجمال فیها وانتشر الحیویة والنضرة فی ناصرها مثل قوله: [21]

لم یضحک الوردُ إلا حین أعجبه حسن النباتِ وصوت ُالطائر ِ الغردِ بدا فأبدت لنا الدنیا محاسنَهـــــــا وراحت الراح فی أثوابــــــها الجُـــــدُدِ وراحت الراح فی أثوابهــا الجُدُدِ تشفی القلوب من الهــــم ِ والکـــــــــمــدِ

ولابن المعتز فی النور المختلف: [22]

وترى البهار معانقاً لبنفسج وکأن ذلک زائرٌ ومُـزَوَرٌ وکأنَ نرجسَه ُعیونً کحلت بالزعفرانِ جفونها الکافورُ تحیی النفوسُ بطیبـِها فکأنها طعم ُالرضابِ یناله المهجورُ

والجدیر بالإشارة الی تنزُّه العین فی الربیع فی أشعار ابن المعتز حیث یصفه قائلا: [23]

قد نسجَ الرَّوضُ حلَّةَ الزهرِ فالعینُ محسودةٌ على النَّظرِ

وکشاجم یلقی نظرة ًالی الشَّقائق وأنشد قائلا: [24]

أما الظَّلامُ فقد رقَّت غــلائلـــــــهُ والصُّبحُ حین بدا بالنُّورِ یختالُ فانظرْ بعینک أغصانَ الشَّقائق فی فُروعها زهرٌ فی الحُسن أمثالُ من کلِّ مشرقةِ الألوانِ ناضـــرةٍ لها على الغُصن إیقادٌ وإشعالُ حمراءَ من صبغةِ الباری بقُدرته مصقولةٍ لم ینلْها قطّ صقَّــــالُ کأنَّها وجناتٌ أربعٌ جُمـــــــعتْ وکلُّ واحدةٍ فی صحنِها خـــالُ

فالطبیعة لابن المعتز سر الجمال والحیاة و باقة ألوان یأخذ منها صور الجمال ودون الألوان لفقدت الطبیعة معناها ویصفها قائلا: [25]

وانظر الى الدنیا ربیع أقبلت مثل النساء تبرجت لزناة والورد یضحک من نواظر نرجس فدیت وأذن حبها بممات استخـــدام الربیع فی التشبیــهات

التشبیه « صفة الشیء بما قاربه وشاکله، من جهة واحدة أو جهات کثیرة لا من جمعی جهاته، لأنه ناسبه مناسبة کلیة لکان إیاه. أو: مماثلة بین أمرین، أواکثر، قصد اشتراکها فی صفة،أو اکثر،بأداة: لغرض یقصده المتکلم ». [26]

یقول ابن رشیق: « أما ما شرط فی التشبیه فهو الحق الذی لا یرفع،لأنه قد حمل علی الشاعر فیما أخذ علیه، إذ کان قصد الشاعر أن یشبه ما یقوم فی النفس دلیله بأکثر مما هو علیه فی الحقیقة، کأنه أراد المبالغة، ولعله یقول أو یقول المحتج له: «معرفة النفس و المعقول أعظم من إدراک الحالة». [27] لا سیما و قد جاء مثل هذا فی القرآن:«طلعها کأنّه رؤوس الشّیطین» [28]

یقول خفاجی:«التشبیه عنصر من عناصر الأسلوب وبلاغته، یعتمد علی التصویروالبیان والتمثیل و التشخیص» [29]وهو فن واسع من فنون الکلام، أداته المشاهدة والخیال، وغایته رسم صور دقیقة لکل ما بدرکه الحس أو العقل أو الوجدان، وزعیم التشبیه فی العصرالجاهلی امرؤالقیس، و فی العهد الاسلامی ذو الرمة، وفی العصر العباسی شاعرنا أبو العباس عبد الله ابن المعتز، ویلیه فی منزلته الفنیة فی باب التشبیه ابن الرومی الشاعر العباسی المشهور. یقول ابن رشیق:«إن التشبیه سرّ صناعة الشعر قد انتهیا إلی ابن المعتز» [30] وقد تدرج فن التشبیه منذ العصرالجاهلی حتی الیوم، فحاول تصویر البیئة والحیاة الاجتماعیة.

"شجرة الأترج " تضرب مثلا لمن طاب أصله وفرعه وکل شىء منه وأول من شبه به الممدوح ابن الرومى فقال وأحسن: [31]

کل الخلال التى فیکم محاسنکم تشابهت منکم الأخلاق والخـِلق کأنکم شجر الأترج طاب معا حملا ونورا وطاب الطعم والورق

"خدود الورد" شبُهت الخدود المستحسنة بالورد استعیرت له الخدود کما قال ابن الرومى: [32]

خجلت غصون الورد من تقبیلها خجلا توردها علیه شاهد

وقال البحتری: [33]

أتاکَ الربیعُ الطلقُ یختالُ ضاحـکاً من الحسنِ حتى کاد أن یتکلما وقد نبهَ النوروزُ فی غلسِ الدجى أوائلَ وردٍ کنَّ بالأمسِ نوما یفتحهُ بردُ النـــــدى فکأنّـــــمـــا یبثُّ حدیثاً کان قبلُ مکتما ومن شجرٍ ردَّ الربیعُ لباســــــهُ علیه کما نشرتَ وشیاً منمنما أحلَّ فأبدَى للعیونِ بشاشةً وکان قذًى للعینِ إذ کان محرما

الربیع أجمل فصول السنه الأربعة بین سائر الفصول ویمتازفصل الربیع بالطقس اللطیف و السماءالممطرة ویکثر فیه اخضرار الأشجار ونمو الأعشاب الخضراء .و فی البیت الأول تظهر صوره فنیة جمیلة حیث وصف الشاعر الربیع بالکلام وهی صفة من صفات الإنسان ویقول الشاعر: کاد أن یتکلما . یرید أن یشبه الربیع بالإنسان ومن صفاته الاختیال والضحک فهذه الصفات أسندها الشاعر للربیع فقال فیما معناه أن الربیع جاء مختالا ضاحکا مزهوا بنفسه . و یظهر فی البیت الثانی بأنّ النیروز شبه الورد أی أخبره بمجیء الربیع فبعد إن کان فی الأمس نائما فعلیه الیوم أن یزهر ویتفتح ، فکلمة الأمس تشیر الى الأشهر التی قبل الربیع الشتاء" وکلمه الیوم تشیر الى "الربیع ". لقد وصف البحتری ایام الربیع وصفا جمیلا تعطر بنسماته و استعمل فی ذلک النمط الوصفی الذی یستوجب علیه معایشة موضوع القصیدة .

اوصاف التشبیه فی شعر ابن المعتز

ویمکننا أن نصور التشبیه فی فن ابن المعتز، تصویراً واضحاً، علی نمط من التفضیل، فنقول:إنه یمتاز بمیزات کثیرة، اهمّها هی: کثرة التشبیهات فی شعره کثیرة هائلة، حتی لا تخلوقصیدة من قصائدة ولا قطعة من مقطوعات من عدّة تشبیهات نادرة ساحرة، و کانت هذه الملکة القویة ظاهره مملوسة فی فن ابن المعتز فی سائر شعره، وشتی أغراضه، وإن کثر ظهورها فی أوصافه و خمریاته و طردیاته. وتشبیهات ابن المعتز تشبیهات حسیة یعنی فیها بتصویر المسحات، وباخراجها فی مظاهر حسیّته یستمدها من بیئته، وهو یصور مظاهر الطبیعة وشتی ألوان الحضارة الهادیة، فی صورلها سحرها وجمالها الفنی الرائع. وقلمّا یعنی بتصویر الوجدانیات و العقلیات. لأن خیاله لم یؤثر أن یتجاوز نطاق الحیاة المادی وحجالها الحی إلی دائرة التحلیل و التصویر للحقائق المجردة البعیدة عن مظاهر الاحساس فی الحیاة، وفاضت صنعته. ثم هذه التشبیهات الحسیة یدور اکثر علی الأشیاء المدرکة بحاسة البصر، اکثر من سواها من المحسات، أما شاعرنا ابن المعتز فی فن التشبیه إجادة وله به شهرة، وملکاته فیه ملکات المصور الفنان الملهم، وترجع بواعث هذه الملکة المصورة فی نفس ابن المعتز،واسباب تلک القدرة البارعة علی تصویر الأشیاء وتشبیه بعضها ببعض إلی ذهنه الخصب، وعقلیته الناضجة، وثقافته الواسعة،وإلی إحساسه الدقیق ومشاعره المرهفة، وهیامه الفنی بتذوق الجمال وتصوره و تصویره، و إلی مظاهر الحیاة و ترف الحضارة التی عاش فیها.«کان ابن المعتز یعنی بزخرف التصویر فی شعره عنایة شدیدة، وهو تصویر لا یحتاج تأملاً عمیقاً ، أو هو بعبارة أدق صبغ آخر من أصباغ لتصویر، لکنه لیس صبغاً معقداً ولا مرکباً». [34]

فانّه استطاع أن یحول هذا الصبغ المحدود إلی صبغ له طاقة واسعة، بل لقد خرج عن نطاقة القدیم واصبح صبغاً مستقلاً له أو صناعه التی لا تحصی. و فی هذا الوعائء من أوعیة التصویر یظهر تصنیعه ویظهر ایضاً تفوقه علی شعراء عصره، فقداختص بصبغ واحد من أصباغ لون واحد من الوان التصنیع ولکن عرف کیف یحوله إلی صبغ واسع ویستخرج منه ما لا یحصی من صور و اوضاع. «ولابن المعتز فن مستقل فی تصویر الألوان خاصة من بین سائر المبصرات، یبلغ فیه غایة الجودة والإحسان». [35]

«قد حرص ابن المعتز فی معظم تشبیهاته علی حسیة الصورة، وقد کان من هذه الناحیة، ذا حس ذکی قادر علی کشف العلاقات الخفیة بین الاشیاء وإزالة ما بینهما فی فواصل، غیر أنّ غلبة التصویر الحسّی علی تشبیهات ابن المعتز لا ینفی وجود نماذج من التشبیهات المعنویة والتشبیهات التی تجمع بین الحسیة والمعنویة فی شعره، لکن هذه التشبیهات جدّا قلیلة مقارنة بتشبیهاته الحسیة الکثیرة التی تفرّع فیها وصنع منها ألوناً لا تحصی حتّی غلبت علی شعره وعرف بها» [36]

نجد فی شعر ابن المعتز أن یرید الی حسن التعلیل فی اوصافه، و یقول: [37]

والوردُ یَضحک من نواظر نَرجِس قذیت وأذن حیّها بممات

الضحک فی الورد وکل زهر و نور یتفتح مشهور، ولکنه فی هذا البیت جعل الورد کأنه یعقل و یمیز فهو یشمت بالنرجس لإنقضاء زمنه وإدبار دولته و ظهور آثار الفناء فیه، و أعاد هذا الضحک من الورد. فقال: [38]

ضحک الوردُ فی قَفا المَنشور واسترحنا من رعدةالمَقرور الخاتمة

اتسع الوصف فی العصر العباسی اتساعاً کبیراً وتناول شتـّی المظاهر الثقافة الحدیثة من مسکن و ملبس ومطعم ومختلف الأحوال الإنسانیة . و کان الشاعر العباسی یصوّرما یشاهده ؛فکان شعر الوصف من أوسع أغراض الشعر فی ذلک العصر، فقد یصف الشاعر مظاهر الطبیعة وأحوالها، وفی هذا العصر ازدهر الشعر العربی، حیث ازدهر فن وصف الطبیعة، وکانت الصیاغه الفنیة تعتمد اعتماداً کلیاً على المحسنات البدیعیة واللفظیة. مناظر الطبیعة و مظاهرالحضارة، فی شتی العصور والأجیال، أکثر الفنون دلالة علی حیاة الأمم وحضارتها و ثقافتها.

و فی الأخیر وصلنا الی هذه النتیجة بأنَّ الربیعیة و وصف الطبیعة أصبحت من الموضوعات الحدیثة المتأثرة بمظاهـر الحضارة والتی یعد ثمرة من ثمراتها وحیاة الترف المعهودة عند العرب خاصة العصر العباسی.

المصادر والمراجع

  1. القرآن الکریم.
  2. ابن المعتز وتراثه فی الأدب والبیان، د. محمد عبد المنعم خفاجی، الطبعة الثانیة، دار الجیل ، بیروت، 1411هـ / 1991م .
  3. التذکرةالفخریة، بهاءالدین المنشی‌الاربلی؛ تحقیق: نوری حمودی‌القیسی؛ حاتم صالح‌الضامن، غداد: مطبعه المجمع العلمی العراقی، ‭۱۳۶۲ =۱۹۸۴ =.ق۱۴۰۴‬.
  4. حسن المحاضرة فی أخبار مصر والقاهرة، جلال الدین عبد الرحمن السیوطی، تحقیق:محمد أبو الفضل إبراهیم،دار إحیاء الکتب، القاهرة ،ط1، 1967م،ص 359.
  5. جواهرالأدب فی ادبیات والإنشاءلغة العرب، لأحمد الهاشمی ،الطبعة الثالثة عشرة (1341ه- 1923م)،مطبعة المقتطف والمقطم بمصر.
  6. دیوان ابو تمام طایی؛ابو تمام طایی، جعفر قلی بن محمد تقی بن علینقی گراملی، ۱۲۶۸ق.
  7. .دیوان ابن‌الرومی؛ شرح احمدحسن بسج، بیروت: دارالکتب العلمیه، ‭۱۳۷۴ = ۱۹۹۵ = .ق۱۴۱۵.
  8. دیوان ابن الرومی، مجید طراد، دار الکتب العربی، الجزء الثانی، بیروت – لبنان، 1424هـ - 2004م.
  9. دیوان البحتری،الجزءالأول، الطبعة الاولی، مطبعة هندیة بالموسکی بمصر،1329هـ -1911م. ص 142.
  10. دیوان البحتری، عـُنـِی بتحقیقه وشرحه والتعلیق علیه، حسن کامل الصیرفی، المجلد الرابع، دار المعارف، بمصر، الطبعة الثانیة،1119م، کورنیش، النیل، القاهرة ، ص2090.
  11. الفن ومذاهبه فی الشعر العربی، شوقی ضیف ،دار المعارف، الطبعة الثالثة عشرة، القاهرة، 1960م.
  12. العمدة فی محاسن الشّعر وآدابه ونقده، ابن رشیق ، أبو علی ، الحسین بن رشیق ، ت(456هـ) ، حققّه وفصّله وعلّق حواشیه محمد محی الدین عبد الحمید ، ط2،2ج ،مطبعة السعادة ، مصر ،1964 م.
  13. من غاب عنه المطرب، الثعالبی النیسابوری، لبنان - بیروت،1891.
  14. نهایة الأرب فی فنون الأدب، شهاب الدین أحمد بن عبد الوهاب النویری، تحقیق مفید قمحیة وجماعة، دار النشر، دار الکتب العلمیة، بیروت ـ لبنان، 1424 هـ - 2004 م،الطبعة الأولى،عدد الأجزاء / 33.
ملاحظة

رحمان بشـّار:
- ماجستیر فی قسم اللغة العربیة وآدابها
- کلیــــة الآداب واللغـــــــــات الأجنبیــــة بجامعة آزاد الإسلامیة ـ کرج

حواشی

[1] جواهرالأدب فی ادبیات والإنشاء، لأحمد الهاشمی، ص 267.

[2] التذکرة الفخریة، بهاءالدین الإربلی، ص 80.

[3] من غاب عنه المطرب، الثعالبی ج1،ص2.

[4] المرجع نفسه، ص3.

[5] دیوان ابو تمام؛ابو تمام طایی، صص139 – 140.

[

/ 1 نظر / 214 بازدید
ع.ز

مرحبا! تعبير مميز لا يسعني غير ان اقول لك شكرا اخي على هذا القلم الرائع .... فماابدع الانامل التي غزلت الحروف