وصف الطبیعة فی الثقافة العربیة

المقدمة

الوصف فی اللغة هو:" وصَف الشیءَ له وعلیه وصْفاً وصِفة ً: حَلاَّها [1] "والوصف جزء من منطق الإنسان،لأنَّ النّفس محتاجة من أصل الفطرة الی ما یکشف لها من الموجودات ویکشف للموجودات منها، ولایکون ذلک الاّ بتمثیل الحقیقة وتأدیتها إلی التصوّر فی الطریق السمع والبصر والفؤاد " [2] .وقد تعرض ابن الرشیق فی أثناء حدیثه عن الوصف الذی قال عنه بأن أکثر الشعر یرجع إلیه إلى تفاضل الناس فی الوصف وإلى أهم موصوفاته أوموضوعاته على عهد المولدین فقال: " الأولى بنا فی هذا الوقت صفات الخمر والقیان وما مشاکلها وما کان مناسبا لهما کالکؤوس والقنان والأباریق ،وباقات الزهر، إلى ما لابد منه من صفات الخدود والقدود و… ، ثم صفات الریاض والبرک والقصور وما شاکل المولدین ، فإن ارتفعت البضاعة ، فصفات الجیوش وما یتصل بها من ذکر الخیل والسیوف والرماح والدروع والعصی والنبل ، إلى نحوذلک من ذکر الطبول والبنود ولیس یتسع بنا هذا الموضوع لإستقصاء ما فی النفس من هذه الأوصاف " [3] .ویشیرأحمدالهاشمی فی کتابه عن الوصف ،"الوصف،هوشرح حال الشیء وهیئته علی هوعلیه فی الواقع لإحضاره فی ذهن السامع کأنّه یراه أویشعربه". [4] وأیضاً یقول:"الوصف،عبارة من بیان الأمر بإستیعاب أحواله وضروب نعوته الممثلة له وأصوله ثلاثة: الأول:أن یکون الوصف حقیقیتاً بالموصوف مفرزاً له عمّا سواه،الثانی: أن یکون ذا طلاوة ورونق. الثالث: أن لایخرج فیه إلی حدود المبالغة والإسهاب ویکتفی بما کان مناسباً للحال وأنواعه کثیرة ولکنّها ترجع إلی قسمین وهما وصف الأشیاء ووصف الأشخاص أمّا الأشیاء الحریّة بالوصف فهی کالأمکنة والحوادث ومناظرالطبیعة. أمّا وصف الأشخاص فیکون بوصف الصّورة أوبوصفهما معاً." [5] هناک تعریف آخر عن أنواع الوصف ،"والوصف فی کلّ شیء نوعان : خیالی وحسیّ . فالوصف الخیالی یعتمد التشبیه والإستعارة ویحاول أن یستحضر الموصوف من الذاکرة . أما الوصف الحسی فهوتصویر للموصوف .

ولاریب فی أنّ الوصف الحسی أبلغ وأجود وأندر وأکثر صعوبة من الوصف الخیالی" [6].

وقد عُرف الوصف منذ عُرف الشعر العربی ، وفی رأی صاحب العمدة نرى أن "الشعر إلا أقله راجعٌ إلى باب الوصف" [7] والشاعر الذی یُظهرمقدرة فنیة فی نقل صور موصوفه وتجلیتها وتوضیحها للسَّامع یکون ذلک دلیلاًعلى تفوّقه وبراعته ، ومدى دقّته ومهارته فی فنّ الوصف "فأحسنُ الوصف ما نُعت الشیءُ حتى تکاد تُمثله عینًا للسامع" [8] کما قال حنّا الفاخوری: " والوصف هوذکر أقسام الشی ء وشرح هیئته لإحضاره فـی ذهن السامع " [9] فالوصف فی المعجم العربی هوالتجسید والابراز والإظهار وفی التراث النقدی العربی یقول قدامة بن جعفر فی الوصف: "إنما هوذکر الشیء بما فیه من الأحوال والهیئات" [10]

إن کل الأجناس الأدبیة کالقصة والروایة والشعرلم تستغن عن الوصف.فالأدب العربی منذ القدیم عرف الوصف، وشعراء الجاهلیة مارسوا الوصف فی نظمهم لقصائدهم سواء وصف الحبیبة أووصف الأطلال أووصف المعارک و… إلخ. قال ابن رشیق : أبلغ الوصف ما قلب السّمع بصرا والشعراء یتفاوتون فی مقدار براعتهم فی الوصف ، فهناک من یستطیع إجادة الوصف غیر أنَّه یشتهر بوصف شیء بعینه، وذلک لعلمه به وشدة اتصاله منه . یقول الرافعی فی هذا المنطلق:"وقد یُشارک فی أوصافٍ کثیرة لکنه ینفرد بالشهرة فی بعضها ، من جهة العلم لا من جهة الصناعة، فکلما کان أعلم بأجزاء الموصوف وحالاته، وأقدر على استقصاء هذا العلم فی شعر، إنه أبلغ فی الوصف وأولى بالتقدیم [11] "یقسم الأدباء الوصف الی قسمین :وصف الظواهر الطبیعیة التی هی من خلق الله القادر المبدع ، ووصف الآثار الإنسانیة التی هی من صنع الإنسان الحاذق المخترع ،ومن إخراج الید الصّناع ، ثمّ هم یتناولون الظواهر الطبیعیة فلا یجدونها متماثلة فی جمیع الخصائص، فیعقدون بینها موازنة تنتهی إلی تقسیمها قسمین : الظواهر المتحرّکة، وهی کل ما یجری فیه ماء الحیاة وینبض بالحرکة: من حیوان ألیف کالناقة والفرس، والکلب والمعز والغنم، أووحش مفترس کالأسد والذئب والحشرات والهوام.

والظواهر المتحرکة إمّا خارجیة کهذا الّذی قدمنا أمثلة له، ویسمیه الغربیون الوصف الموضوعی، وإمّا داخلیّة، فهی تلک التی تمثّل أحوال قاتلها، فتصف خواطر نفسه، أوخفقات قلبه، تقرّح کبده، أوتحرق فؤاده، أوهجسات وجدانه، أوهمسات شعوره، أولمحات أفکاره، أوومضات إنسانه، إلی آخرما یصوره من تلک التموجات النفسیة، والإهتزازات العاطفیّة، وهوالوصف الذاتی . والظواهر الساکنة، وتنصرف إلی کلّ ما تشتمل السموات والأرض من أجرام وکواکب ، وجبال وصحاری، ووهاد ونجاد، وبحار وأنهار، وما ینشأ عن هذه وتلک من مد وجذر، وبرق ورعد، وغیث ومطر، وزلازل وبراکین، وزعازع وأعاصیر " [12].

إن الوصف أثر الطبیعة فی النفس ، وتصویر فعل الظواهر فی الخاطر ، فلابدّ أن یکون بلغة أرقی، أسلوب أکثر اتساقا ، وأعظم إنسجاما من سواه ، وهوالشعر" [13]

وصف الطبیعة فی العصرالجاهلی

الوصف أحد الأغراض التی برع فیها الشعراء الجاهلیون فی أکثر أشعارهم. فالشاعر الجاهلی یرحل فیصف الرحلة وصفاً دقیقاً، وهویمر بالصحراء الواسعة فیصورها تصویراً بارعاً، یصف حرارتها فی القیظ وما فیها من السراب الخادع، ویصف برودتها فی الشتاء، ویرکب فرسه للنزهة أوللصید فیصفه. أغراض الوصف فی الشعرالجاهلی کثیرة منها [14]

1- وصف الأطلال: یأتی الشاعر لزیارة حبیبته فیجدُ أهلها قد رحلوا بها عن المکان الّذی عهدهم نازلین فیه، فیقف علی طلل الخیمة (المکان الّذی کانت الخیمة منصوبة فیه) فیصفه ویصف ماحوله وینسِب بالحبیبة ویتوشق الیها.

2-وصف الراحلة: وکذ لک یصف الشاعر الراحلة أوالمطیة (الناقة أوالفرس) الّتی یرکبها للوصول إلی الحبیبة أوالمدح.

3- وصف الصید: وتصید الجاهلیین لسببین: إمّا طلباً للمعاش کما کان یفعل الصعالیک العرب ،أوطلباً للهوکما کان یفعل امرؤالقیس، أولأنّه کان یخرج فی حاشیة الملوک الـّذین یذهبون إلی الصید کالنابغة . وقد برع الشاعر الجاهلی فی وصف الفرس وإعداده للصید، ونجد ذلک عند امرىء القیس وأبی دؤاد الأیادی، یقول أبودؤاد:

فلما علا مَتـْنَتَیْهِ الغُـلامُ وسَکَّن من آلهِ أن یُطـَارا
وسُرِّ کالأجْدلِ الفَارسـ یِّ فی إثْرِ سِرْبٍ أَجَدَّ النَّفَارا
فـَصادَ لَنَا أَکحَلَ المُقْلَتَیْـ ن فَحْلاً وأُخْرى مَهَاةً نَوارَا

وقد رسّم الشعراء المعارک التی تحدث بین کلاب الصید وثیران الوحش وبقره وحمره، ووصف اللیل، طوله ونجومه وقد برع فی ذلک امرؤ القیس، کما وصفوا الأمطار والبَرَدَ وشدة البرد نجد ذلک عند النابغة وأوس بن حجر الذی یقول [15]

دَانٍ مُسِفٍ فُوَیْقَ الأرْضِ هَیْدَبُهُ یَکَادُ یَدْفَعُهُ من قَامَ بالرَّاحِ

وقد وصف الشعراء الریاض والطیور وقرنوا الغراب بالشؤم وما ترکوا شیئاً تقع علیه أبصارهم إلا وقد أبدعوا فی وصفه. وهذا هوعنترة یصف ذباباً فی روضة: [16]

وخَلاَ الذُّبَابُ بِهَا فَلَیْسَ بِبَارِحٍ غَرِداً کَفِـعْلِ الشّـارِب المُتَرَنِّـم

هَزِجاً یَحُکُّ ذِرَاعَهُ بذرَاعِهِ قَدْحَ المُکِبِّ على الزّنادِ الأجْذَمِ

والشاعر فی هذا البیت:یشبه الذباب عندما یقع على الروض برجل أجذم یحاول إشعال النار بیدیه. ومن الشعراء الذین برعوا فی شعر الطبیعة امرؤالقیس، طرفة بن العبد وزهیر بن أبى سلمى. هذا هوامرؤالقیس الذی یرسم مشهد السرعة فی فرسه لیصوّر شدّة سرعته ویجعلنا أمام جلمود من الصخر دفعه السیل من أعلى الجبال ویندمج الکر بالفر والإقبال بالإدبار معتمدا على الانفعالات الحسیة:

مکر مفر مقبل مدبر معا کجلمود صخر حطه السیل من عل

لکن هذا الوصف ظل حسیا جزئیّا على المشاهدات والمرئیات دون أن یمتزج الشاعر فیما یصف وتخطلت إحساساته بما یشاهد ویعیش بوجدانه فیما حوله، ورغم هذه المادة التصویریة المکثفة لا نجد مشارکة الطبیعة فی أحاسیس الشاعر مشارکة وجدانیة صادقة.

فغرض الوصف فی هذا العصر غرض لیس مقصوداً لذاته وإنما یأتی فی عرض القصیدة لیتوصل الشاعر إلى أغراضه الرئیسة من المدح أوالهجاء أوالرثاء أوالفخر.

والبیئة من العوامل التی تثیر قریحة الشاعر، وتحثه علی الإبداع، یروی ابن قتیبة «أنه لم یستدع شارد الشعر بمثل الماء الجاری، والشرف العالی، والمکان الخضرالخالی» [17]. الشعراء الجاهلیون ذکروا النبات، وکثرة الماء فی أشعارهم، وکان الشاعر الجاهلی یبدأ قصیدته بالأطلال، ویذکر الرحلة التی یصف من خلالها کل ما یراه فی طریقه، وکأن هذه الرحلة کانت وسیلته للخلوة والاندماج مع الطبیعة لإتمام عملیة الإبداع بأحسن صورها.

وبدا الشعراء الجاهلیون بوصف الریاض والأزهار والبساتین وأفردوا بابا خاصا بشعر الطبیعة وکثر وصف الطبیعة وتغیرت النعوت التی استخدمها العرب فی‏ أشعاره.

نذکر هنا بعض الأعلام والأوصاف الطبیعة کالریاض والأزهار فی الشعر الجاهلی، یذکر یاقوت [18] مائة وست وثلاثین روضة واسترعی الجاحظ ذکر الشعراء لرطوبة النبات وما یجری فی دیارهم من خصب بعد مطر نزیر، [19] وکانت بعض الریاض تشیر إلی المواضع أوالأقوام، والشعراء یذکرون بعضها فی أشعارهم. یذکر طرفة روضة دعمی. [20]

لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح کباقی الوشم فی ظاهرالید
فروضة دعمی ّفأکفاف حائل
ضللت بها أبکی وأبکی الی الغد
وقد قال الأعشی فی روض التناضب [21]
 
ملیکیــّة جاورت بالحجا
زقومـــا عداة وأرضا شطیـــــرا
 
بما قد تربع روض القطــا
وروض التناضب حتــی تصیـــرا
یذکر لبید ریاض الأعراف [22]
هلکت عامر فلم یبق َ منها
بریاض الأعراف إلاّ الدیار

لم یذکر الشعراء الأزهار فی أشعارهم إلّا قلیلا منها لقلتها فی جزیرة العرب وأیضا بسبب العوارض الطبیعیـة القاصیة التی تمرّ بها بهذا السبب. تصویر الأزهار فی أذهان الشعراء لیس واضحا، یصوّر الشعراء الأقحوان بالثغور، بسبب بیاضه، وقد یقترن وصفهم للثغوربصورة الإبتسام والضحک. وکثیرا ما کانت تندمج أوصاف الثغر والأسنان والبیاض فی تشبیهاتهم وقال طرفة یصف ثغر صاحبته: [23]

تضحک من مثل الأقاحی حوی
من دیمة سکب سماء دلوح
کما یقول الأعشی: [24]
 
وتضحک عن غرّ الثنایا کـأنـّه
ذُرَی أقحوان نبتُهُ متناغم ُ

وصف الطبیعـــة فی صدر الإسلام والثقافــة الاُمویــّة

نظرا لنزوح العرب من حیاة الصحراء وحیاة الحضارة الجدیدة فقد بقی عالقا فی أذهان الشعراء مجال الصحراء وما تحمله من ذکریات بما فیها من خیام ونوق وخیول وحیوانات ونجوم. وبقی کثیر من الشعراء یفضل حیاة الصحراء على حیاة المدن کما عند الفرزدق عندما قارن بین طبیعة الصحراء ونهر وجبل وبین الناقة فی تلک الصحراء والسفینة فی نهر: [25]

لفلح وصحراواه لوسرت فیهما أحب إلینا مــــن دجیل وأفضل
وراحلة قد عوّدونی رکوبهـــــا وما کنت رعابا لها حین ترحل
قوائمها أیدی الرجال إذا أنتجت وتحمل من فیها قعودا وتحمل
إذا ما تلقاها الأواذی شقهــــــــا لها جؤجؤلا یسترع وکلکـــل
إذا رفعوا فیها الشراع کأنهـــا قلوص نعام أوظلیم شمردل

ویعد الشاعر ذوالرمة من أکبر الشعراء الذین عشقوا الصحراء وأیامها وما فیها ورأى ما فی الصحراء مسلاة فی إطار ذکره لمیة تلک المرأة التی أفلتت من یده فجعلته یذوب فی رمال الصحراء، یقول ذوالرمة فی وصف حیوان الصحراء بظبیة وابنها عاکسا عواطف الإنسان علیهما :

إذا استودعت صفصفا أوصریحة تنحت ونصت جیدها بالمناظر
حذارا على وسنان یصرعه الکرى بکل مقیل عـن ضعاف فـواتـر
وتهجره إلا اختلاسات نهارهـــــــا وکم من محب رهبة العین هاجر [26]

اهتم الأخطل الشاعر الأموی بتصویر الروضة فی أشعاره: [27]

ما رَوْضَةٌ خضراءُ، أزْهَرَ نَوْرُهَا بالقَهْرِ بیْنَ شقایقٍ ورِمَالِ
بَهِجَ الربیعُ لها، فَجَاد نَباتُهَا ونَمَتْ بأسْحَمَ وابِلٍٍ هَطّالِ
حتى إذا التفّ النباتُ، کأنّهُ لَوْنُ الزّخارِفِ، زُیّنتْ بصِقَالِ
نَفَتِ الصّبَا عَنْها الجَهَامَ وأشرقَتْ للشّمْس، غِبّ دُجُنّةٍ وَطِلاَلِ
یَوْماً، بأمْلَحَ مِنْکِ بهجة منطقٍ بَیْنَ العَشِیّ وساعةِ الآصالِ

إنّ حدیث الروضة فی الشعر الأموی یکاد یکون بعامة متشابهاً وإن اختلف فی تفصیلاته بین زیادة ونقصان تبعاً لعدد الأبیات التی ابتناها التشبیه الدائری، فالشاعر یصف الروضة ویذکر مکانها وزمان الحدیث عنها، والعناصر التی تسهم فی إبراز جمالها، ثمّ یقیم المقارنة بین طرفی التشبیه فیما اصطلح على تسمیته بـ(القفل). إلاّ أنّ بعض الشعراء یتکلّمون عن الروضة، مکتفیاً بوصف نباتها وذکر مکانها والعناصر التی أسهمت فی إخصابها، ثمّ یأتی إلى القفل مقارناً بین طرفی التشبیه، وبهذا یکون قد أسقط زمان الحدیث عنها.

وصف الطبیعـــة فی الثقافة العباسیة

أصبح الوصف فی هذا العصر فنا مستقلا بفعل الطبیعة الغنیة بالجمال، وإضافة إلى المظاهر الحضاریة التی عنى بوصفها الشعراء کالمطر والسحب والحدائق والقصور والبرک والطبیعة فی فصل الربیع ووصفوا المعارک الحربیة خاصة مع الروم . إن التطور الذی عرفه الوصف فی العصر العباسی استهدف أسلوبه ومعناه ولفظه، إلا أن هذا لا یعنی أن موضوع الوصف قد تخلص کلیة من الطریقة التقلیدیة، بل لبث فی بعض نواحیه یسایر مواضیع الوصف القدیم کوصف الإبل والنیاق والذئب والطیر والبقر الوحشی وغیرها .

والشاعر فی هذا الغرض بعد أن کان یحلق ببصره فی ربوع تهامة ونجد والجزیرة وما تحویه من فیافی وقفار ووهاد موحشة ومظاهر أخرى هی ولیدة البیئة العربیة الخالصة کالخیام المضروبة هنا وهناک، وما کان یحیط بها من شیاه وخیول،أصبح بعد التحول الذی طرأ على المجتمع العربی المتنقل من حیاة البداوة والترحال إلى حیاة التمدن والاستقرار، یرفل فی ألوان المدنیة وینعم بضروب الترف والبذخ ، ویلهوبمسرات الدنیا وطیباتها. من الموضوعات التی دار حولها الوصف عند أکثر من شاعر فی هذا العصر وصف الخمر والغناء ووصف مجالسهما وآلاتهما، وجاهروا بالدعوة إلى ممارسة ذلک وبالغوا فی الأمر مما نجم عنه الاستهتار بالدین .فأبونواس جاهر بالخمر والدعوة إلیها فیقول [28]

ألا فاسقنی خمرا وقل لی هی الخمر ولا تسقنی سرا إذا أمکن الجهر
فعیش الفتى فی سکرة بعد سکرة فإن طال هذا عنده قصر العمر
وما الغبن إلا أن ترانی صاحیا وما الغنم إلا أن یتعتعنی السکر
فبح باسم من أهوى ودعنی من الکنى فلا خیر فی اللذات من دونها ستر
وقال فی قصیدة أخرى [29]
لا تبک لیلی ولا تطرب إلى هند واشرب على الورد من حمراء کالورد
کأسا إذا انحدرت من حلق شاربها أجدته خمرتها فی العین والخد
فالخمر یاقوتة والکأس لؤلؤة من کف لؤلؤة ممشوقة القد
تسقیک من طرفها خمرا ومن یدها خمرا فمالک من سکرین من بد
لی نشوتان وللندمان واحدة شیء خصصت به من بینهم وحدی

وأخذ الشاعر العباسی یصف الطبیعة فی الحاضرة ببساتینها وریاحینها، وقد أخذ یخص هذه الطبیعة بمقطوعات وقصائد کثیرة حیث أصبحت موضوعا جدیدا واسعا، وکان یمزج نشوته بها فی بعض الأحیان بنشوة الحب أونشوة الخمر وسماع القیان وفی کثیر من الأحیان کان یقف عند تصویر فتنته بها وبورودها وریاحینها من مثل قول إبراهیم بن المهدی فی النرجس:

ثلاث عیون من النرجس على قائم أخضر أملس

یذکرننی طیب ریّا الحبیب فیمنعننی لذة المجلس

وقد أکثروا من وصف الأمطار والسحب ووصف الریاض خاصة فی الربیع، وعبروا عن أحاسیسهم ومشاعرهم أحیانا خلال هذا الوصف ، ومن خیر ما یصور ذلک مخاطبة مطیع بن أیاس لنخلتی حلوان [30]:

أسعدانی یا نخلتی حلوان وأبکیا لی من ریب هذا الزمان
واعلما أن ریبه لم یزل رق بین الألاف والجیران
ولعمری لوذقتما ألم الفر قة أبکاکما الذی أبکانی
أسعدانی وأیقنا أن نحسا سوف یلقاکما فتفترقان
کم رمتنی صروف هذی اللیالی بفراق الأحباب والخلاّن

یعالج الصنوبری الطبیعة وأوصافها باللون والحرکة واستنطاق مشاهدها بصور رائعة وکلمات جمیلة فی التعبیر وهوفی روضیاته یرسم معرضا فنیا بتشخیص المشاهد وإحیاء المرئیات. یقول الصنوبرى واصفا معرکة الأزهار: [31]

خجل الورد حین لاحظه النرجس من حسنه وغار البهار
فعلت ذاک حمرة، وعلت ذا صفرة واعترى البهار اصفرار
وغذا الأقحوان یضحک عجبا عن ثنایا لثامهن نضار

ونرى شعراء کثیرین یعنون بوصف مظاهر الحضارة العباسیة المادیة وما یتصل بها من الترف فی الطعام والتأنق فی الملابس والثیاب ووصف القصور وما حولها من البساتین وما یجری فیها من الظباء والغزلان. وأکثروا من وصف الحیوان والطیر والحشرات، واشتهر بذلک خلف الأحمر وجهم بن خلف وفی کتاب الحیوان للجاحظ من ذلک مادة وافرة .

وفی العصر العباسی، تحول الشاعر فی وصفه عن البداوة والصحراء إلى وصف مظاهر الحضارة، کالریاض وبرک الماء، وموائد وصنوف الطعام والشراب المستحدثة، والملابس والقصور وانصرف الشاعر العباسی عن وصف الظباء والغزلان فی بیئاتها الصحراویة، إلى وصفها فی بیئات متحضرة، کالقصور والبساتین. ولا شک أنَّ ما أوتیه الشاعر العباسی من ثقافات، فضلاً عن اتساع آفاق الحیاة، قد أمدّه بقدرة أکبرعلی التخیّل والتصویر.
الوصف یمثل دوراً اساسیاً فی الشعر العباسی ،لأنّه عمود الشعر فی أدب هذا العصر،"بل إنّ کلّ أغراض الشعر وصف، فالمدح وصف نبل الرجل وفضله ، والرثاء هووصف محاسن المیت، وتصویر آثاره وأیادیه، والهجاء وصف سوءات المهجوّ، وتصویر نقائصه ومعایبه، وهکذا نستطیع أن ندخل جمیع فنون الشعر تحت الوصف، فهوعلی هذا الوضع کالدوحة المتفتة الأغصان، الفارعة الأفنان، المترامیة الظلال ،ولکننا نریده مستقلا بذاته،محدود المعالم عن سواه. [32]

وأخیرا لابد من القول أننا إذا حاولنا أن نلقی نظرة على الوصف فی الشعر الجاهلی وجدناه منصرفا إلى مظاهر الطبیعة الخارجیة سواء کانت هادئة کالصحراء والرمال والجبال وما شاکل ذلک، أوکانت حیة متحرکة کالإبل والخیل التی کان الجاهلیون یرکبونها ویولونها أهمیة کبرى، نظرا لأنها دواب کانت ترافقهم فی السلم والحرب والسفر، وکانت مطیعة خاضعة لرغباتهم وإرادتهم، کما نقرأ فی قول عنترة:

سلس العنان إلى القتال فعینه قبلاء شاخصة کعین الأحول

ویستمر الوصف على هذا المنوال، بعد مجیء الإسلام وفی عصر الأمویین، حتى إذا کان العصر العباسی وتنوعت مظاهر الحضارة والترف، اتجه الوصف إلى هذه المظاهر الحضاریة فوصف الشعراء القصور والسفن والمنشآت المختلفة، کما رکزوا على وصف المعارک التی أبلى فیها المسلمون بلاء حسنا، وتمکنوا بها من قهر أعدائهم والتنکیل بخصم الدیانة الإسلامیة. کما تطور فی هذه المرحلة وصف الخمرة والعناصر التی تستخرج منها کالعسل والنخل والکرم. ولعل من أشهر الأسماء فی هذه الفترة أبا تمام والمتنبی وأبا نواس والبحتری وأبا فراس وابن الرومی والصنوبری .

اتسع مجال الشعر والنثر فی العصر العباسی،اتّساعا واسعا فی هذه الفترة المتألقة من حضارة العرب. فتکاثرت الموضوعات التی تناولها الشعراء فضلاً عن الأغراض الشعریة التی نظموا فیها. من ذلک توسعهم فی وصف مشاهد الطبیعة المختلفة، مثل وصف الربیع لأبی تمام : [33]

رقتْ حواشی الدهرُ فهیَ تمرمرُ وغَدَا الثَّرَى فی حَلْیِهِ یَتکسَّرُ
نَزلَتْ مُقَدمَة ُ المَصِیفِ حَمِیدة ً ویدُ الشتاءِ جدیدة ُ لا تکفرُ
لولا الذی غرسَ الشتاءُ بکفهِ لاَقَى المَصِیفُ هَشَائِماً لاتُثْمِرُ
کمْ لیلة ٍ آسى البلادَ بنفسهِ فیها ویَوْمٍ وَبْلُهُ مُثْعَنْجِرُ
مَطَرٌ یَذُوبُ الصَّحْوُ منه وبَعْدَه صَحْوٌ یَکادُ مِنَ الغَضَارة یُمْطِرُ
غَیْثَانِ فالأَنْوَاءُ غَیْثٌ ظاهِرٌ لکَ وجههُ والصحوُ غیثٌ مضمرٌ
وندى ً إذا ادهنتْ بهِ لممُ الثرى خِلْتَ السحابَ أتاهُ وهومُعَذرُ
أربیعنا فی تسعَ عشرة َ حجة حَقّاً لَهِنَّکَ لَلرَّبیعُ الأزْهَرُ
ما کانتِ الأیامُ تسلبُ بهجة ً لوأنَّ حسنَ الروضِ کانَ یعمرُ
أولا ترى الأشیاءَ إنْ هیَ غیرتْ سَمُجتْ وحُسْنُ الأرْضِ حِینَ تُغَیَّرُ
یا صاحِبَیَّ تَقصَّیا نَظرَیْکُمَا تریا وجوهَ الأرضِ کیفَ تصورُ
تریا نهاراً مشمساً قد شابهُ زهرُ الربا فکأنما هومقمرُ

الصنوبری من الشعراء الّذین أمعنوا بوصف الطبیعة فی العصر، ومن روائع شعره فی وصف الربیع قوله: [34]

یاریم قومی الأن ویحک فانظری
ماللربى قد أظهرت اعجابها
کانت محاسن وجهها محجوبة
فالآن قد کشف الربیع حجابها
ورد ٌبدا یحکی الخدود ونرجس
یحکی العیون إذا رأت احبابها

وفی هذة الفترة من تاریخ الأدب العربی ازدهر الشعر الوصفی فی مصر والشام أیضا، حیث اتـّسع فن وصف الطبیعه، وکانت الصیاغه الفنیة تعتمد اعتماداً کلیاً على المحسنات البدیعیة وإهتمّ الشعراء العباسیون بتصویر الجانب المادی من الثقافة الحدیثة، وکثرت الموضوعات الوصفیة فشملت جمیع مظاهر الحیاة عندهم، حتى إننا نرى الشعراء یسجّلون الحیاة داخل البیوت والقصور وما فیها من وسائل اللهووالتسلیة، بل انهم یصفون وسائل الثقافة والمدنیــّیة فی عصرهم .

فهرس المصادر والمراجع

  1. .الأعلام، خیر الدین الزرکلی، الطبعة العاشرة، دار العلم للملایین، بیروت، 1992 م .
  2. الاغانی،لابی الفرج الاصبهانی ،تحقیق ابراهیم الأبیاری ،دار الشعب ، 1969م ،بمصر.
  3. تاریخ آداب العرب، مصطفى صادق الرافعی،الطبعة الثانیة (1394ه-1974م)، دار الکتاب العربی بیروت-لبنان،الجزءالثالث.
  4. تاریـخ الأدب العربی ، حنّا الفاخوری، 1951 الطبعة الأولى - دراسة فنون المعلومات، جلال یونس الخوالدة، 2008.
  5. تاریخ الأدب العربی، عمر فروخ الجزء الأول، عدد المجلدات 1.
  6. تاریخ الادب العربی، الدکتور شوقی ضیف، دار المعارف، عدد المجلات 1.
  7. جواهرالأدب فی ادبیات والإنشاءلغة العرب، لأحمد الهاشمی ،الطبعة الثالثة عشرة (1341ه- 1923م)،مطبعة المقتطف والمقطم بمصر.
  8. الحیوان، للجاحظ، تحقیق عبد السلام هارون، ط ،الحلبی، القاهرة 1943 .
  9. الدیوان، لإمرءالقیس، تحقیق محمد أبوالفضل إبراهیم ، ط ، دار المعارف،1958.
  10. دیوان الصنوبری أحمد محمد بن الحسن الضبی تألیف: أحمد بن محمد بن الحسن بن مراد تحقیق: محمد نبیل طریفی.
  11. الدیوان، لأبی تمام، شاهین عطیة، طبع فی المطبعة الأدبیة فی بیروت سنة 1889.
  12. الدیوان، لأبی نواس،شرح ضبطه،الاستادعلی فاعور، الطبعة الثانیة ،(1414هـ- 1994م) دار الکتاب العلمیة، بیروت ،لبنان.
  13. الدیوان، للأعشی، شرح وتعلیق للدکتور محمد حسین ، ط ،القاهرة،1950 .
  14. الدیوان،لأوس بن حجر،تحقیق وشرح محمد یوسف نجم، ط،بیروت ،1960 .
  15. الدیوان، لذی الرمة، غیلان بن عقبة بن نهیس بن مسعود العدوی،1919.
  16. الدیوان، للفرزدق، همام بن غالب بن صعصعة ت114ه)، دار صادر، بیروت، ج 2.
  17. الدیوان، للطرفة بن العبد، تحقیق الدکتور علی الجندی ،ط، الرسالة – 1958، الدیوان ضمن مجموعة الأعلم الشنتمری.
  18. الدیوان، للعنترة، تحقیق ودراسة محمد سعید مولوی، المکتب الإسلامی، دمشق، الطبعة الثانیة 1403هـ-1983م.
  19. الدیوان، لللبید، تحقیق الدکتور إحسان عباس ، ط ، الکویت ،1962.
  20. الشعر والشعراء، ابن قتیبه،أبومحمد عبدالله بن مسلم الدینوری ،ط ، بیروت، 1964.
  21. العمدة فی صناعة الشعروآدابه ونقده، لابن الرشیق ج2، تحقیق محمد محییالدین عبدالحمید، بیروت، دارالجیل، الطبعة الرابعة.
  22. معجم البلدان،أبوعبدالله یاقوت بن عبدالله الرّومی، ط ، لایبزیک، 1866.
  23. الوصف فی الشعر العربی، عبدالعظیم قناوی، نشر مکتبة مصطفى الحلبی، الطبعة الأولى، 1368هـ- 1929م .
  24. نقد الشعر، قدامة بن جعفر، تحقیق کمال مصطفى، مکتبة الخانجی، ط3، القاهرة1979م.
ملاحظة

بسم الله الرحمن الرحیم

إعداد: رحمان بشـار

الماجیستیرفی قسم اللغة العربیة وآدابها

بجامعة آزاد الإسلامیة - کرج .

حواشی

[1] لسان العرب،لابن منظور،مادة وصف

[2] تاریخ آداب العرب، مصطفى صادق الرافعی، ص119

[3] العمدة فی صناعة الشعروآدابه ونقده، لابن الرشیق ج2، صص295-296

[4] جواهرالأدب فی أدبیات وإنشاء لغة العرب، لأحمد الهاشمی ،ص343

[5] المرجع نفسه ص 265

[6] تاریخ الأدب العربی،عمرفروخ ،ج1 ص 81

[7] العمدة فی صناعة الشعر وآدابه ونقده،ج2 ص295

[8] المصدر السابق،ج2 ص294

[9] تاریـخ الأدب العربی، حنا الفاخوری ، ص 41

[10] قدامة بن جعفر، نقد الشعر، ص- 118- 119

[11] تاریخ آداب العرب،ج ٣، صص121-122

[12] الوصف فی الشعر العربی، عبدالعظیم قناوی، ص54

[13] المرجع نفسه، ص 43

[14] تاریخ عمر فروخ ،الجزء الأول، ص 80

[15] دیوان أوس ابن حجر، ص 15

[16] شرح القصائد التسع 2/477

[17] الشعر والشعراء، ابن قتیبه، ص 38

[18] معجم البلدان ،2 /840

[19] الجاحظ ، الحیوان ،3/ 119- 122

[20] طرفة، الدیوان، 169

[21] الأعشی، الدیوان / 85

[22] الدیوان، ص44

[23] الدیوان / 169

[24] الدیوان، ص 77

[25] الدیوان، للفرزدق، ج2، ص 85

[26] دیوان ذی الرمة، ص 98

[

/ 2 نظر / 125 بازدید
مریم

سلام خسته نباشید،کارتون حرف نداره به آدم امیدادامه کار میدین.دانشجوی ارشدعربی